قيادي بـ"البام": إعتراف المَـلك بفشل التعليم غير كاف ووَجَب تخلي الدولة العميقة عن الهيمنة و السيطرة

زنقة 20
اعتبرَ المصطفى المريزق القيادي بحزب الأصالة والمعاصرة المُعارض، أنٌَ إعتراف الملك المحمد السادس من خلال الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، بفشل التعليم بالمغرب، "يعد صراحة اعترافا منصفا لرجل التعليم، و لمكوناته النقابية ثانيا، و للفاعلين الأساسيين في الميدان، و للباحثين و المختصين و المهتمين و الإعلاميين و غيرهم من الذين ينتمون لعالم المدرسة من قريب أو بعيد".
وتسائلَ الأمين الجهوي لحزب الأصالة والمعاصرة بجهة مكناس تافيلالت، في مقاله المُعنون تحت عُنوان، "المسألة التعليمية في المغرب : من أجل بديل ممكن"، "هل يكفي الاعتراف بالأزمة؟ طبعا، لا. فما العمل؟"، معتبراً أن سؤاله "سؤال كبير و عريض، لن يدعي أي كان الجواب عليه".
ودعا ذات القيادي "البامي" الدولة العميقة بكل مكوناتها الإدارية و الدينية إلى التخلي عن جعل التعليم جهازا إيديولوجيا للهيمنة و السيطرة و الاستلاب، وكذا وضع بنيات التعليم الأساسية خارج الرهانات الحزبية و السياسات الضيقة، و المساومة.
وفيما يلي نصٌ المقال الموقع من طرف د. المصطفى المريزيق:
ربما كنا محظوظين في زمن ودعناه بدون رجعة، و لم يبقى لنا منه سوى بعض الذكريات الجميلة التي طوتها الأيام هي الأخرى.
أحببنا فيه، حتى الثمالة، نور العقل وشعاع القيم، في زمن كانت تطغى فيه الاهتمامات الأدبية على الاهتمامات الفكرية و الإيديولوجية، و في زمن كان الفن بكل أنواعه مصدر ثقافتنا وإلهامنا، و غذاء روحنا، و كان الاهتمام بالفكر تطلعنا.
كان للثقافة بشكل عام، جمهورا عريضا تلتقي فيه الشرائح و الطبقات لتسبح في عالم القصص و المسرحيات و الروايات و الموسيقى و الرسم، طمعا في تهذيب الذوق و صقل السلوك و تنمية المعرفة، من دون أن تكن هناك أدنى عقدة و لا مفاضلة في العلاقة بهذا المثقف أو ذاك…
في نهاية الحكاية، لم نكن سوى جيل جديد لا نريد أن يكون فيه لا عبد و لا سيد…
صدارة الأدباء و الفنانون الملتزمون، جعلت جيلنا يتخذ كل ما أنتجوه هؤلاء راية لخوض معارك الحياة الثقافية و السياسية و الإجتماعية، بعيدا عن أي استئصال أو حقد.
أما لماذا كانت الساحة الثقافية تستقطبنا و تجذبنا أكثر، فلأن جذورها كانت جذورا شعبية. و هكذا نشأ بيننا تلاميذ و أتباع مدارس فكرية و معجبين سطحيين بهذه الاتجاهات الفكرية أو تلك، في غياب نهضة فكرية و علمية مغربية.
كذالك الشأن بالنسبة للتوجهات الأكاديمة، كانت الجامعة المغربية تستقطبنا و تجلبنا كل فظاءاتها، كانت تضم أكاديميين مرموقين، لكن لم تستطع تكوين قاعدة شعبية، باتجاهاتها الفكرية و معرفتها النظرية و مناهجها و تصوراتها للمساهمة في بناء المستقبل.
نعم، الدولة مسؤوليتها ثابتة في هذا الباب، كانت تحمل تصورا أنانيا للمنظومة التعليمية، و جعلت التعليم في خدمة مصالحها. لم تفكر في التربية و التكوين و البحث العلمي، و لا في فضاء المعرفة الضروري للتأهيل المتخصص. الدولة تملصت من مسؤوليتها طوال عقود من الزمن، بل شرعنت سياسة تعليمية بدون مقومات علمية، و من دون استراتيجية تعليمية متكاملة.
و من ناحية أخرى، لا شك أن السمة العامة التي ميزت رد الفعل على الدولة، لم تكن هي الأخرى في مستوى المواجهة و طرح البديل، لم تتعدى عتبة النقاشات الإيديولوجية حول المسألة التعليمية عامة و المدرسة المغربية خاصة، والتي أبانت فيما بعد عن عدم قدرتها على الاجتهاد و المواكبة و اكتفت في آخر أيامها برفع شعارات سياسية لا مضمون علمي و تربوي لها.
إن الإيمان بالمشروع الماركسي كبديل مثلا، لم يكن وحده كافيا لتكوين مدرسة وطنية و مؤسسات ديمقراطية و برامج ومناهج علمية، مما جعل المحافظين و الحركات الدينية يتسللون رويدا رويدا، إلى منابع صناعة البرامج للتأثير عليها باسم الخصوصية الدينية للمجتمع المغربي، و هو ما كان سببا في تقوية التيارات الدينية و جعلها تفرخ يوما بعد يوم.
إن الدول التي جعلت من المدرسة مشروعا مجتمعيا، وورشا و طنيا، استطاعت أن تنتج اجتهادات تنظيرية جريئة على صعيد مجتمعاتها و منظومة فكرها ككل، و ليس فقط على صعيد المدرسة. و مثال اليسار التقدمي في فرنسا و ايطاليا و اسبانيا، نموذجا ساطعا على ما نقول. حيث جدد اليسار هناك فكره وأدخل عليه تعديلات نظرية أساسية جذرية أحيانا، كرفض مبدأ دكتاتورية البروليتاريا و امكانية الوصول إلى السلطة عن طريق المؤسسات الديمقراطية البورجوازية و غير ذلك من تجديد الأفكار، و هو ما أعطى للديمقراطيين و الحداثيين في هذه البلدان امتدادا أفقيا و رأسيا في مجتمعاتهم.
في المغرب، دفع الماركسيون الثمن غاليا من أجل المبادئ و القيم. قاموا بجهود ضخمة و جبارة من أجل توسيع القاعدة الجماهرية في صفوف مكونات المجتمع، لكن لم يستطيعوا ذلك. أما النهج الديني، فقاعدته موجودة تاريخيا و ممتدة على أوسع نطاق.
طبعا، ضاق اليسار المغربي الحنظل في العديد من المناسبات، و تم ضرب أفكاره و اعتقال أطره، و التضييق على كافة منافذه، و هو ما زاد قوة للنهج الديني الذي استفاد ماديا و أدبيا من الوضع، حيث قصد الجامعات ل »تحريرها » من التقدميين و العلمانيين وغير المتدينين.
كما تم إضعاف رجل التعليم، بهدلته، و تمت مصادرة مكانته الإجتماعية، و أصبح موضوعا للسخرية و النكت و الضحك و الفكاهة، و قفشات المغاربة، صغيرا و كبيرا.
في نفس الآن، سمح للتيارات الدينية في الجامعة للتعبير و المطالبة بجعل الشريعة هي المصدر الرئيسي و الوحيد لأحكام الدستور، و هكذا.. ظلت القضية التعليمية رهانا مأزقيا بالنسبة لكافة الفاعلين الأساسيين في المجال. أما الدولة فاستمرت في تعاملها مع التعليم، لزمن طويل، بمنطق الحيطة و الحذر، لكي لا نقول بمنطق عدائي، كما استمرت في نهج سياسة منفعية، خاضعة لصناع القرار و لتوصيات صندوق الدولي و غيره.
و اعتراف رئيس الدولة اليوم بفشل التعليم ببلادنا، يعد صراحة اعترافا منصفا لرجل التعليم، و لمكوناته النقابية ثانيا، و للفاعلين الأساسيين في الميدان، و للباحثين و المختصين و المهتمين و الإعلاميين و غيرهم من الذين ينتمون لعالم المدرسة من قريب أو بعيد.
لكن، هل يكفي الاعتراف بالأزمة؟ طبعا، لا. فما العمل؟
سؤال كبير و عريض، لن يدعي أي كان الجواب عليه. و في انتظار ذلك، لابد أن ننضج أفكارنا و تصورتنا حول المسألة، و ذلك فيما يخص ثلاث محاور على الأقل:
المحور الأول، هو اعتبار اعتراف رئيس الدولة بفشل التعليم في هذا الوقت بالذات شيئا ايجابيا، و أنا دعوة الملك لإصلاح المنظزمة التعليمية، هو استعداد ضمني للمشاركة في تغيير ملامح الأزمة و المشاركة في بناء مشروع تعليمي جديد يجعل من المدرسة مختبرا لتعلم « المهارات » و ليس مدرسة تضمن الخضوع للإيديولوجية المسيطرة، و التحكم في ممارستها.
المحور الثاني، هو رد الاعتبار لرجل التعليم، و الرفع من قيمته و احترامه و مده بكل المقومات الأساسية ليؤدي رسالته على أحسن ما يرام.
المحور الثالث، مسؤولية و مشاركة الفاعلين الأساسيين من رجال التعليم، و الفكر و الثقافة و الإعلام، و النقابات و الجمعيات المهنية و الطلابية، و جمعيات المجتمع المدني، و الباحثون التربويون، و الآباء و الأولياء، في كل أطوار الحوار/الحوارات الوطنية حول إصلاح عام و شامل لرد الاعتبار للمؤسسة التعليمية، و التمييز بين المدرسة التي تضمن قوة العمل و المدرسة التي تضمن تكوين الإيديولوجيين من جهة، و المدرسة التي تنتج العلم و المعرفة و شروط إنتاج الثروة و تحقيق التنمية الشاملة و المستدامة، من جهة أخرى. و هذا الورش لا يمكن تحقيقه إلا إذا:
+ تخلت « الدولة العميقة بكل مكوناتها الإدارية و الدينية » عن جعل التعليم جهازا إيديولوجيا للهيمنة و السيطرة و الاستلاب،
+ وضعت بنيات التعليم الأساسية خارج الرهانات الحزبية و السياسات الضيقة، و المساومة،
+ عمم التعليم العمومي عل قاعدة توافق مجتمعي، ووفق معارف علمية و عقلانية و مناهج تربوية حديثة تراعي واقع التحولات و لا تخضع للتصنيفات السياسوية…