زنقة 20

على مر تاريخ المغرب، نجحت شخصيات وعائلات في تسلق المراتب الإدارية والسياسية والاقتصادية، واستثمرت امتدادها القبلي والمصاهرات السلطانية في توطيد علاقتها بالأسرة الحاكمة لتؤمن الحرث والنسل.

كان الباشا محمد بن عبد السلام برشيد، في النصف الأول من القرن التاسع عشر، من بين هذه الشخصيات التي ظفرت بحظوة القرب من "المقام العالي بالله"، حين نجح سليل آل الرشيد في الحفاظ على نفوذ أسلافه المتعاقبين على حكم قبائل الشاوية.

تُعيد "مغرب اليوم"، في هذا العدد، رسم صورة الباشا برشيد، الذي حظي بمكانة خاصة في قلوب ثلاثة ملوك لأزيد من نصف قرن... خصَّص للملك الراحل محمد الخامس جناحا خاصا به في قصبته، وسط قبيلة أولاد احريز، واستدعاه الملك الراحل الحسن الثاني للقصر الملكي بالدار البيضاء بعد وفاة والده، ليخبره، مازحا، أنه يدين لهم بالإرث، حين اكتشف أن السلطان عبد الرحمان العلوي، الذي حكم المغرب من سنة 1859 إلى سنة 1873، تزوج بشابتين من دار الباشا برشيد.

بداية القصة

في سنة 1903 ميلادية الموافق لـ1320 هجرية توفي القايد عبد السلام برشيد، ليتولى ابنه البكر الحاج أحمد برشيد مكانه، الذي لن تزيد مدة "حكمه" على ثلاث سنوات، إذ سيلقى حتفه على رأس محلته قرب تازة، إثر مشاركته في الحركة السلطانية لإخماد ثورة الروكي بوحمارة في ربيع سنة 1906هـ - 1923م.

بعد ذلك سيؤول الحكم المحلي إلى أخيه القائد محمد بن مولاي عبد السلام، المعروف باسم ولد شميشة، الذي ظل قائدا على قبيلة أولاد احريز من سنة 1906 إلى 1956، أي لمدة 50 عاما، كان "ولد شميشة" يتمتع بمحبة والده ورضاه لأنه كان أصغر أبنائه.

رشحه الحاجب السلطاني أبا حماد، الرجل القوي آنذاك، والذي وصفه المؤرخ عبد الرحمان بن زيدان في ترجمته بأنه "ذو مكايد وحيل، مستبد بالأمور... تدرب على خدمة الملوكية وحنكته التجارب وعلم من أين تأكل الكتف"، (رشحه) لقيادة قبيلة أولاد احريز، فيما ساندت أقلية قليلة من أبناء القبيلة خليفة والده الحاج حمو بن أحمد بن جيلالي، الذي شوش على "ولد شميشة" في بداية ولايته. وعلى الرغم من المنافسات والانتفاضات، التي شهدتها قبائل الشاوية وأولاد احريز أيام "السيبة"، فقد استطاع أن يتحكم في الوضع بشجاعة وحكمة ومقدرة.

جمعت باشا برشيد صداقة وطيدة بعبد العزيز بن الحسن، الملقب بمولاي عبد العزيز، الذي حكم المغرب ما بين 1894-1908. أبدى القايد "ولد شُميشة" إخلاصا ووفاء منقطع النظير للملك محمد الخامس، الذي كان يخصه بعناية خاصة. ففي البروتوكول السلطاني كان القايد يُستقبل ضمن باشوات المدن الكبار، وبرزت مكانة صاحبنا لدى الملك محمد الخامس بجلاء، حين استدعاه لمرافقته إلى طنجة سنة 1947، حيث ألقى الملك محمد الخامس خطابه التاريخي.

كما انتقى ابنه عبد السلام ليكون رفقة ولي العهد آنذاك الحسن الثاني للدراسة في المعهد المولوي بالقصر الملكي، وأمر ولي عهده بحضور حفل عرس الحاج أحمد الابن البكر لـ"ولد شميشة"، كما زار الملك محمد الخامس مدينة برشيد مرتين مصحوبا بأهله وحاشيته والمخزن، وأقام في القصبة الجديدة، حيث تستقر أسرة القائد برشيد بضعة أيام.

جناح خاص

خصص محمد بن عبد السلام للملك الراحل محمد الخامس جناحا خاصا به في القصبة، مكونا من غرفة نوم وغرفة استقبال وحمامين "بلدي" وآخر "رومي". كان لهذا الجناح ممر خاص مؤدي للرياض وسط القصبة، وكان يمنع على أي شخص دخول أو حتى الاقتراب من جناح الملك في دار الباشا، بحضوره أو أثناء غيابه، يقول الحاج المهدي، حفيد الباشا برشيد.

تمتد القصبة الجديدة للباشا محمد بن عبد السلام على مساحة تفوق الهكتار، يحيط بها جدار سميك، في مدخلها الرئيسي تستقبل على جنبات الطريق الموصل لها أشجار نخل باسقات، تبعد القصبة عن وسط مدينة برشيد حاليا بثلاثة كيلومترات، وسط السور يحتل رياض القصبة حيزا مهما، يتقدمه باب خشبي تعتليه نقوش على أحجار صفراء، كان يداوم على حراسته رجال المخزن.

يتكون الرياض من أربع قاعات مخصصة لاستقبال ضيوف الباشا. المحل الأول كان يسمى "البرشلة" مزينة بزليج بلدي، وضع بعناية، يغطي سقف قاعة "الضيافة"، ونقش متناسق على الجبص. يعود تاريخ بناء "البرشلة" إلى سنة 1330 هـ، كما هو مبين في سقفها، وقد خصص هذا المكان للمناسبات الكبرى، حين يكون ضيوف الباشا كثر، كما يوضح أحد أفراد عائلة ولد شميشة.

القاعة الثانية تسمى "صالون الزاج"، هناك كان يمضي الباشا ولد شميشة معظم وقته في استقبال ضيوفه، وهنا أيضا كان الملك الراحل محمد الخامس يفضل احتساء فنجان القهوة أو الشاي. يوجد في "صالون الزاج" مذياع ضخم شاهد على قدم ومكانة أهل المكان، بالقرب منه وضعت صورة كبيرة تجمع الملك محمد الخامس بمحمد برشيد ابن الباشا مؤرخة في سنة 1955، حين استقبال الملك ابن الباشا بعد عودته من المنفى.

بالقرب من المدخل الرئيسي للرياض توجد القاعة المربعة، وهي محل آخر لاستقبال الضيوف، وأمامه مباشرة قاعة أخرى كانت مخصصة لحاشية ضيوف الباشا، ووسط الرياض توجد حديقة كبيرة مشكلة من أشجار الليمون والزيتون والرمان والأزهار، تتوسطها نافورة يتدفق المياه على جنباتها، تتقاطع عندها أربعة ممرات مبلطة بـ"زليج بلدي" تربط بين القاعات الأربع.

في مكان وراء "صالون الزليج" يوجد مطبخ الباشا، الذي كانت يحضر فيه كل ما لذ وطاب، بشهادة "مي عائشة"، التي أشرفت لعقود على مهمة تحضير الأكلات لضيوف الباشا. استحضرت "مي عائشة"، في لقائها مع "مغرب اليوم"، لحظة فارقة في تاريخ المغرب، حين عاد الملك الراحل محمد الخامس من المنفى. تقول إن القصبة لم تعرف أي سكون جراء هذا الحدث، حيث استقبلت طيلة 15 يوما وفودا متنوعة المشارب، جاءت لتهنئ الباشا بعودة صديقه الملك.   

 
   زيارة ملك

كانت الزيارة الثانية للملك الراحل محمد الخامس لآل الرشيد، بمناسبة تدشين المسجد الأعظم في عاصمة أولاد حريز، المشيد باكتتاب طوعي من قبل أبناء القبيلة، الذين تحدوا الاستعمار الفرنسي حين بنى كنيسة للمعمرين، وعارض بناء المسجد بمبرر عدم وجود ميزانية كافية لتشييد مكان عبادة لأبناء المنطقة.

كان حدث تدشين المسجد من قبل الملك الراحل محمد الخامس عرسا مشهودا في ذاكرة سكان برشيد، حيث تزينت المدينة لاستقبال ملك البلاد، لكن قوات الاستعمار واجهت هذه الفرحة بصرامة، وأصدرت أوامر بإزالة اللافتات والأعلام الوطنية وصور الملك محمد الخامس، إلا أن الوطنيين وأبطال جيش التحرير في المدينة واجهوا محاولات الفرنسيين إفساد عرس الحريزيين، وأعادوا تثبيت اللافتات والأعلام الوطنية في كل أرجاء المدينة ليلا، قبل ساعات قليلة عن موعد مرور الموكب الملكي، في تحد واضح لقوات الاستعمار الفرنسي، التي تبين لها أن سكان القرى وفية ومتعلقة بملكها، مثل ساكنة المدن.

على إثر هذا الاستقبال الحافل، أنعم الملك محمد الخامس على القائد محمد برشيد بأرفع وسام، ورفعه من منصب قائد إلى منصب باشا، الذي كان يختص به فقط رجال السلطة في المدن، وقد بقي الباشا برشيد وفيا للملك، الذي جاد عليه بـ"الباشوية الشريفة" بظهير شريف مؤرخ في 18 أكتوبر 1956، تلاه آنذاك على مسامع أعيان وأبناء قبيلة أولاد احريز وزير الداخلية إدريس المحمدي.

أثنى الظهير الشريف على خصال الرجل، وأظهر الاحترام والتقدير الكبيرين اللذين تكنهما أعلى سلطة في البلاد لـ"ولد شميشة"، وجاء فيه: "بناء على الاستقامة التي قدمها خديمنا الأرضى الحاج محمد بن عبد السلام برشيد، اقتضى نظرنا السديد بأن ننعم على الحاج محمد برشيد المذكور برتبة باشا شرفي، تقديرا لما أظهره من الإخلاص والوفاء، وتنويها بخدماته وجهوده، فاستحق من جانبنا العالي بالله مكافأته بهذه الرتبة الشريفة مضفيا عليه صالح دعائنا وجميل رضانا، ونأمر ولاة مملكتنا السعيدة أن يعلمه ويعمل بمقتضاه، والله يوفقه بعونه ويسعده برضاه والسلام".

ومثلت المصاهرات بين أسر رجال السلطة، في تلك الفترة، وسيلة للحكم عبر خلق قاعدة بشرية موالية في مواقع حيوية حكمها منطق "خيرنا ما يديه غيرنا"، هكذا تحالفت مجموعة بشرية كونت قاعدة مأمونة الجوانب، لذلك لم يكن غريبا آنذاك أن يبدي الصدر الأعظم، الذي كان بمثابة رئيس الحكومة حاليا، رغبته في أن يقوي علاقته بالحاج محمد برشيد، فزوجه ببنت ولده الطيب المقري، باشا مدينة الدار البيضاء في تلك الفترة.

بعد حدث توليه باشوية برشيد، خلقت وفاة باشا برشيد رجة واسعة وسط أبناء أولاد احريز. كان ولد شميشة من بين ضحايا محاولة انقلاب الصخيرات يوم السبت 10 يوليوز 1971 بالقصر الملكي. يتذكر الحاج المهدي، ابن أحمد برشيد، تفاصيل وفاة جده بدقة: "أسر باشا برشيد على مرافقته ابنه الأصغر عبد السلام، صديق الملك الحسن الثاني، حيث كان الأخير من بين المدعوين لتخليد الذكرى الثانية والأربعين لعيد ميلاد الملك، لم يكن يعلم أن الكولونيل أمحمد أعبابو، قائد مدرسة أهرمومو العسكرية، والجنرال محمد المدبوح، كانا يخططان للإطاحة بنظام صديق ابنه وابن صديقه".

في الساعة الخامسة صباحا من يوم السبت، توجه عبد السلام إلى القصبة ببرشيد قادما إليها من الدار البيضاء، ليصطحب والده الباشا برشيد معه إلى القصر الملكي بالصخيرات، وفي المساء حملت الأنباء القادمة من العاصمة الرباط "الخبر الفاجعة" لأسرة الباشا وحاشيته. يروي الحاج المهدي، في لقاء مع "مغرب اليوم"، تفاصيل الواقعة قائلا: "كنت رفقة والدي الحاج أحمد في الحقل على بعد أمتار من القصبة، نجمع المحصول الزراعي، كان موسم حصاد شديد الحر... في المساء، وقبل أن نتوجه إلى البيت، مررنا على صديق والدي الحاج إدريس ولد الشيب، أكبر تاجر حبوب في برشيد، الذي أخبرنا بأنه حدثت محاولة انقلاب في الصخيرات، وأن الوضع شديد الخطورة".، سادت حالة من الترقب والانتظار في نفسي الأب وابنه، وقد كانا على علم بأن الباشا وابنه من ضيوف الملك.

توجه الحاج المهدي رفقة والده بالسيارة إلى البيت بالدار البيضاء منهكين، بعد يوم طويل قضياه في جمع المحصول الزراعي، توقفا في محطة وقود، بالقرب من المنزل في 2 مارس للتزود بالبنزين، هنا سيتفاجأ الحاج أحمد وابنه بمواساة عمال المحطة لهما في وفاة الباشا برشيد.

كشف الحاج المهدي أن عمال المحطة علموا بالخبر عن طريق سائق الباشا، الذي كلف بأن يلتحق به في نهاية اليوم ليرجعه إلى قصبته. انتظر السائق طويلا عند باب القصر الملكي في الصخيرات خروج "ولد شميشة"، قبل أن يخبره أحد الحراس بأنه لا داعي لأن ينتظر خروج الباشا لأنه توفي. عاد السائق أدراجه نحو العاصمة الاقتصادية، ومر على محطة التزود بالوقود، وهناك أخبر من كانوا بالمكان بما وقع... "لم يمت الباشا مقتولا، بل مات نتيجة سكتة قلبية ألمت به، لحظة تبادل إطلاق النار بين عناصر الحرس الملكي والضباط المشاركين في محاولة الانقلاب، فيما نجا الحاج عبد السلام، ابن باشا برشيد، بأعجوبة من موت محقق، حيث أصيب بطلق ناري على مستوى الكتف"، يقول الحاج المهدي، حفيد الباشا.    
      
شجرة النسب

ترك الباشا محمد برشيد ثلاثة أبناء، هم أحمد، الذي كان خليفته، ومحمد، الذي كان في عهد الحماية الفرنسية رئيس الغرفة الفلاحية بالدارالبيضاء، كما تقلد عددا من المناصب بوزارة الداخلية بعد الاستقلال، ونصب عاملا ملحقا بالوزارة، وأصغر أبناء الباشا هو عبد السلام، الذي درس رفقة ولي العهد الحسن الثاني آنذاك بالمدرسة المولوية، قبل أن يسافر إلى باريس لمتابعة دراسته، وكان من بين الطلبة الوطنيين النشيطين بعاصمة الأنوار، الذين فضحوا مؤامرات سلطات الاستعمار الفرنسي ضد العرش، في أوائل خمسينيات القرن الماضي، حيث كان يراسل أصدقاءه المقاومين بأولاد احريز، من ضمنهم الحطاب بن الحيمر وعبد القادر زروال ومحمد بن علي وغيرهم من المقاومين الذين اعتقلوا وعذبوا بسبب الرسائل، التي أراد الفرنسيون التوصل بها. اشتغل صديق الملك الحسن الثاني، بعد الاستقلال، بالأشغال العمومية، ثم بوزارة الداخلية في منصب مدير ديوان عامل بني ملال، قبل أن يعين مديرا مسؤولا على إدارة شركة "لاسمير" للمواد النفطية بالمحمدية، كما انتخب رئيسا لبلدية برشيد وبرلمانيا، وكان ضمن البعثة البرلمانية التي توجهت إلى إيران برئاسة عبد الهادي بوطالب.

وتعود شجرة نسب الباشا إلى أسرة شريفة، فهو القايد محمد بن عبد السلام، بن محمد بن رشيد بن عثمان بن بوشعيب بن عثمان بن محمد الصغير بن حطاب بن هلال بن عثمان بن عمرو بن حسين بن أبي القاسم بن عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد العزيز بن عمرو بن سليمان بن عيسر بن محمد بن أحمد بن علي بن أبي عبد الله بن عيسى بن مولاي إدريس الأصغر، بن مولاي إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبطي حفيد النبي صلى الله عليه وسلم، ابن فاطمة الزهراء زوجة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

عن مجلة مغرب اليوم.