احمد عصيد

avatar

قواعد "الحكم الراشد" عند بنكيران-1

 

عندما أصبح رئيس حزب المصباح رئيسا للحكومة المغربية، انهالت عليه التهاني، ومن أجملها أن كبيرهم الذي يصدر الفتاوى من أرض الحجاز نصحه بالنوم ما يكفي ليكون قادرا على النهوض بحاجات الناس والوفاء بوعوده، أي تحقيق "الحكم الراشد"، والوعود المقصودة هنا انتخابية أعلن عنها الرئيس جهارا نهارا أمام الملإ، وهي في مجملها وعود بأمور دنيوية كالشغل والسكن والصحة وإنعاش الاقتصاد والزيادة في نسبة النمو وتخفيض التضخم إلخ.. غير أن ما بدر من رئيس الحكومة بعد مدّة يسيرة من قرارات حكيمة بدأ يثير ألسنة السفهاء والفضوليين، مما حذا بنا إلى التفكير في توضيح قواعد "الحكم الراشد"  التي بشر بها المنظرون، وقد يفهمها الناس خطأ إن لم تبيّن لهم، وسنورد هذه القواعد تباعا، ونظرا لصعوبة فهمها بسبب تعقدها الكبير، فسنعمل على إضافة بعض الشروح لمساعدة القارئ على الفهم والله ولي التوفيق.


القاعدة الأولى: أن الرزق على الله وليس على الحكومة:

ما معناه أن على الناس ألا ينتظروا شيئا من الحكومة فيما يخصّ الأمور الدنيوية، فما من دابة في الأرض إلا وعلى الله رزقها، أما حزب المصباح فلم يأت إلى الحكومة ليخدم الناس في أمور دنياهم، وإنما ليعلمهم الدين على طريقته، ويضمن لهم حسن المآل في الآخرة.


القاعدة الثانية أنّ على الشعب أن يصبر:

وذلك أن الصبر شيمة المؤمنين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا ربنا الله، ولا يستنجدون برئيس الحكومة أو من والاه، ولا يطالبونه بشيء، إذ لا شيء في يده وهو العبد الضعيف، واليأس مما في أيدي الخلائق دليل على الوعي بقدرة الخالق وحكمته.


القاعدة الثالثة لا ينبغي إفساد العلاقة مع جلالة الملك بالتمسك  بصلاحيات رئيس الحكومة:

وتفسير ذلك أنّه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فالصلاحيات التي في يد رئيس الحكومة إنما هي هبة من الملك تنازل عنها لاختبار صدق ولاء الوزير، وعلى الوزير إثبات صدق النية وحسن الطاعة، وترك ما لقيصر لقيصر، وبذل الوسع في ما دون ذلك من الأمور، كهجاء المهرجانات ومصادرة الأفلام والإكثار من الآذان في الإعلام ومنع إشهار اليانصيب إلخ..


القاعدة الرابعة أن الأشخاص الفاسدين الذين يتم تعيينهم من خارج الحكومة لا يمكن اعتبارهم فاسدين:

وتفسير ذلك أنه إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا، فالطعن في هؤلاء هو بمثابة إعلان سوء النية والشك في صدقية أولي الأمر وحكمتهم، وهو مجلبة للصدام والشنآن داخل دواليب الدولة، وهذه هي الفتنة التي هي أشد من القتل، وهي نائمة لعن الله من أيقظها.

وأما الطعن في المستشارين وإعلان رفض الوسطاء فذلك إنما كان بعد الانتخابات على سبيل المجاز في التعبير، ولا يقصد منه ظاهر القول بل يؤخذ على الباطن الذي لا يعلمه إلا الراسخون في العلم.


القاعدة الخامسة أن الوعود الإنتخابية مجرد تمثيل:

وتفسير ذلك أنّها بدعة لا يؤخذ المرء بما قاله فيها أو أعلنه على رؤوس الأشهاد، لأنها ليست قاعدة لمحاسبة أولي الأمر، إذ هي مجرد تمرين لا يمتّ بصلة إلى الممارسة الفعلية لتسيير الشأن العام. وإنما تظهر الحقائق بعد تولي المسؤولية وليس قبلها، ولا يجوز شرعا مؤاخذة الحاكم على أمور كان يجهلها.


القاعدة السادسة أن إعلان لوائح الريع لا يعني إنهاء الريع:

وتفسير ذلك أنّ الشفافية هي أن يعرف الناس ما يجري، على ألا يصل إلى حدّ الإساءة إلى رموز الدولة وأساطينها، والقصد ليس إنهاء الريع وإنما الإعلام بقليل منه والسلام، لأنه لا يجوز الكشف عن الريع كله، كما لا ينبغي منع من بيده الأمر والنهي من التصدّق على رعاياه الأوفياء.


القاعدة السابعة اعتبار أي تظاهر سلمي أو إضراب احتلالا للملك العمومي يُعاقب عليه:

وتفسير ذلك أن من خرج عن الحاكم شبرا فمات فميتة جاهلية، والخروج إلى الشارع هو شق لعصا الطاعة، وقد أعذر من أنذر قبل الإنتخابات، حيث كان السيد الرئيس أول من استنكر الخروج إلى الشارع، واعتبر المتظاهرين صبيانا منحرفين وشواذ، فهو اليوم عند وعده تماما. وأما المضربون فأفضل أسلوب للتعامل معهم هو الإقتطاع من رواتبهم حتى يدركوا ما هم فيه من باطل فيتوبوا عنه، والحزب غفور رحيم.


القاعدة الثامنة أن معركة الحاكم المؤمن الراشد هي مع العلمانيين الذين يمثلون الشيطان: وتفسير ذلك أن هؤلاء العلمانيين هم بقايا المشركين وفلولهم، وحزب الرئيس هم حزب الله الذين هو الوارثون، ولا يغرنّ المؤمنين أن هؤلاء هم من اخترع الانتخابات وصناديق الاقتراع وحقوق الإنسان وكل المعجزات التكنولوجية وما إليها، فإنما فعلوا لأن الله سخرهم للمؤمنين من عباده.


القاعدة التاسعة أن الزيادة في المحروقات والسعي إلى إلغاء صندوق المقاصة هي إجراءات في صالح الفقراء ولا تستهدف إلا الأغنياء:

وتفسير ذلك ما قاله العارفون بخبايا الأمور، من أمثال فقيه "الإقتصاد الإسلامي" السيد بوليف، وهو أن المستفيدين من السيارات وما إليها هم من الأغنياء، وأن الفقراء إنما يركبون الجمال والحمير، فلا تمسّهم الزيادة في المحروقات ولا إنهاء دعم المواد الأساسية.


القاعدة العاشرة أن الحاكم المؤمن الراشد لا يفقد شعبيته أبدا مهما فعل:

وتفسير ذلك أن التديّن على طريقة حزب المصباح له مفعول المخدّر، حيث يعمل عمله في النفوس والأذهان فيصير له وقع الطمأنينة في القلوب، فمهما اشتدت الأزمات يظل المؤمن قانتا إلى الله لا تتزعزع ثقته في أولي الأمر، فلا تسول له نفسه الخروج عنهم لا بقلبه ولا بلسانه بله التفكير في الخروج بيده. فشعبية الرئيس لا تأتي من الناس بل من السماء، وإذا وقع ما يسوء فالناس سيفهمون وسيلتمسون ألف عذر للرئيس ومن والاه، قبل محاسبته على محن الغلاء وقمع الحريات، ومهما أتى من كبائر الإستهتار بحقوق الناس والضحك على أذقانهم، فالناس أشبه بالصبيان أو البلهاء، وإنما العارف بمصلحتهم هو من بيده الكتاب.

نقول قولنا هذا وقد يقال غير ذلك والله أعلم.









0 تعليق ل قواعد "الحكم الراشد" عند بنكيران-1

أضف تعليق

البحث في الأرشيف

البحث بالتاريخ
البحث بالصنيفات
البحث في الموقع

البوم : صور