هل ينتشل الملك محمد السادس حكومة بنكيران من قبضة شباط؟
زنقة 20
بقلم: محمد بن امحمد العلوي
مَرَّ أكثر من شهر بعد الأزمة التي اختلقها حميد شباط أمين عام حزب الاستقلال المحافظ وإعلان المؤتمر الوطني لأعرق حزب في المغرب انسحابه من الحكومة، محاولة لوضع حكومة يقودها حزب العدالة والتنمية ذو التوجهات الإسلامية في مأزق وأزمة لتعريتها أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، وكان لا بد من انتظار عودة الملك محمد السادس من عطلته السنوية كي يبث في هذا القرار الذي رفع من منسوب تكهنات النتيجة التي سيؤول إليها الحزب المشارك في الأغلبية الحكومية.
شباط كان يراهن على خلق الأزمة والتشويش على مسارات الاقتصاد والسياسة والمجتمع وراهن على إقحام المؤسسة الملكية في شأن يهم الأغلبية الحكومية وذلك من أجل كسب نقط يفاوض بها على مواقع في الحكومة وإعطاء فرصة لحزبه لكي يقتنص فرصته في الانتخابات المقبلة ويعزز حضوره في معاقل سابقة والتبارز على أخرى للفوز بها، انها طموحات.
أيضا اللغة التي كان يستعملها في هذا التشويش كانت تنهل من قضايا حساسة من ضمنها على سبيل المثال الحدود الشرقية مع الجزائر، عاد الملك قبل أسبوع وانهمك في عمله بإعطائه انطلاقة لاوراش وتدشين أخرى اقتصادية واجتماعية وطبية ورياضية واستقبالات مهمة لتدعيم الموقع الاقتصادي والسياسي للبلاد، في مدينة وجدة الحدودية مع الجزائر يستقبل الملك محمد السادس أمين عام حزب الاستقلال مدة وجيزة يقدم خلالها حميد شباط مذكرة تتضمن مقترحات وملاحظات تبرر اتخاذ قرار الانسحاب.
المؤسسة الملكية في المغرب تحكيمية في الأصل سياسياً وتاريخياً وأيضاً دستورياً، والملك فاعل أساسي في الحقل السياسي والديني المغربي وهذا ما يؤهله لكي يتدخل في ملفات خلافية بين الفرقاء السياسيين بشكل مباشر أو عبر آليات أخرى حيث يكون قراره بث نهائي، كنتيجة سيقول كلمته فيما يجب فعله في المذكرة التي رفعها أمين عام حزب الاستقلال والتي تأتي في ظرفية إقليمية ودولية دقيقة واكراهات داخلية، هذا ما جعل الملك يأخذ الوقت اللازم في دراسات كل الاحتمالات الواردة والمتعلقة بقرار حزب الاستقلال.
في السياسة ضروري أن تقرأ الإشارات الصادرة فلقاء الملك محمد السادس للامين العام لحزب الاستقلال أدرج داخل أجندة التدشينات وورش العمل الاقتصادية والاجتماعية التي يباشرها الملك بنفسه بمدينة وجدة، وهذا ما يعطي اللقاء طابعاً عادياً وليس استثناءً زد على هذا المدة الزمنية المخصصة لهذا اللقاء والتي كانت قصيرة ما يؤكد على أن المذكرة لا تحمل أي وجه استعجالي أو تمثل خطورة على مسارات الإصلاح وتدبير الشأن العام.
إن الاستقبال الملكي جاء في مدينة وجدة إشارة قوية إلى شباط النقابي السابق الذي أراد إشغال الناس بإشعالها حرباً على الجميع وفي كل الاتجاهات وذلك بإثارته لقضية الحدود الشرقية بين المغرب والجزائر وذلك حتى يلتفت إليه من يهمهم الأمر، وهي رسالة إلى الجارة الجزائر تقول بأن الحدود وقرارات السياسة الخارجية لا يمكن الركون فيه إلى تصريحات جاءت في ظرف انفعالي وغير محسوب ولا مدروس، ولكنها قرارات يتخذها رئيس الدولة وجهازه الحكومي إضافة إلى أن انسحاب الوزراء من الحكومة قرار بيد الملك ورئيس الحكومة وليس بيد رئيس الحزب حسب الدستور الذي هو أسمى قانون في الدولة.
عندما نتمعن في تصريح عادل بنحمزة، الناطق الرسمي باسم حزب الاستقلال عقب اجتماع اللجنة التنفيذية الذي قال فيه بعد الاستقبال الملكي لامين عام الحزب الاستقلالي "سنظل منفتحين على كل المقترحات والحلول التي ستأتي في الأيام القليلة المقبلة" هذا يعني أن الحدة غير المحسوبة والتطرف في تصريحات شباط القائلة بالانسحاب النهائي من حكومة عبد الاله بنكيران لا يمكن الاستمرار فيها وإنما هناك سيناريوهات محتملة يمكنها أن تحفظ الاستقرار داخل التوليفة الحكومية.
وغير خافٍ أن تدخل الملك محمد السادس في مايو الماضي بخصوص استمرار وزراء الحزب في العمل كان له الوقع الحاسم في تعطيل أي أزمة حكومية ونزع فتيل إشكالات المغرب في غنى عنها.
إن قرار شباط بانسحاب وزراء حزبه من الحكومة لا يمكن الوقوف عنده إلا كتمرين آخر من تمارين السياسة في المغرب والذي يمر فوق حبال التجربة الديمقراطية بحذر ابتدأها الملك الراحل الحسن الثاني بانفتاحه على المعارضة في أواخر التسعينات وتمخضت عنها حكومة ما سمي بالتناوب الديمقراطي وصولا إلى خطاب الملك محمد السادس في 9 مارس 2011 الذي افرز دستوراً جديداً وحكومة برأس محسوب على تيار إسلامي.
من الممكن أن تُنْسَجَ خيوط لسيناريوهات عديدة من خلال هذا التمرين منها التعديل الحكومي أو الانتخابات المبكرة بعد حل البرلمان أو الحكومة التي تجمع بين مختلف الأحزاب كحكومة وطنية، لكن لا يمكن أن يأتي هذا القرار ضد الرغبة في الاستقرار وحماية المكتسبات والتطلع إلى آفاق أخرى خدمة للتجربة الديمقراطية التي ينتهجها المغرب منذ زمن بعيد.
إنه مسار فعلي لاستراتيجية الدولة المغربية وانشغالاتها وقراءاتها وسيختار من خلاله الملك كرئيس لهذه الدولة القرار الأنسب حسب الوسائل التي أتاحها له موقعه التاريخي والدستوري من اجل إنجاز الهدف أو الأهداف التي يبتغيها لحل المشكلة التي أثارها أمين عام حزب الاستقلال، وبالتالي لن يخرج القرار الملكي عما هو في صالح البلد ومسيرته التنموية وحفاظاً على النسيج الاجتماعي المتنوع للمملكة ومواجهة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية ومشكلة الصحراء التي تؤرق كافة المغاربة بلا استثناء إضافة إلى تمتين الموقع الأساسي والهيبة للدولة المغربية بالداخل من اجل الاستقرار، وبالخارج من اجل كسب الاحترام والثقة اللازمة لجلب الاستثمارات والأموال خدمة للاقتصاد والتنمية والمواطن المغربي أولاً وأخيراً، وتكون النتيجة أن هذه الأزمة المفتعلة قد تم تدبيرها بذكاء ودهاء.