الدستور و السياسة
قَدَّمَ كل من فريقي العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار، في مجلس النواب، مقترحي قانون تنظيمي متعلق بلجان تقصي الحقائق، ثم توصل الفريقان إلى التوافق حول نص واحد عُرض على لجنة العدل والتشريع. وباشرت هذه الأخيرة دراسة النص بحضور ومواكبة الحكومة التي أكد ممثلها أنها لن تعد مشروعًا بديلاً، وبمشاركة "حماسية" لكل مكونات مجلس النواب من أغلبية ومعارضة.
لكن السيد الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني سيفاجئ الجميع بتراجعه عن تصريحاته السابقة وإعلانه أن الحكومة هي بصدد إعداد مشروع في الموضوع. وفعلاً، صادق مجلس الحكومة على مشروع قانون تنظيمي يتعلق باللجان النيابية لتقصي الحقائق، وظهر أن الحكومة، ربما، لا تتحفظ على مضمون النص الذي زكته داخل لجنة العدل والتشريع، ولكنها لاحظت، في ما بعد، أن مسطرة تحضيره اعتراها عيب "سياسي" لم تنتبه إليه في حينه، ذلك أن نصًا من هذا القبيل كان يتعين أن يُعرض على المجلس الوزاري، الذي يرأسه الملك، قبل أن يُحال على مجلس النواب. وأعلنت الحكومة أنها توصلت إلى اجتهاد، في هذا الصدد، يقضي بأن تتكلف، هي نفسها، بإعداد نصوص القوانين التنظيمية حتى تضمن مرورها عبر المجلس الوزاري.
وانتصر السيد إدريس الضحاك، الأمين العام للحكومة، للاجتهاد المشار إليه أعلاه، واعتبر أن "من الأخلاق السياسية ترك القوانين التنظيمية بيد الحكومة، حتى تُعرض على المجلس الوزاري". وحسب هذا المنطق، فإن القوانين التنظيمية -باعتبارها "امتدادًا للدستور"، وبما أنها قوانين تأسيسية ومُهَيْكِلَة، ونحن في فترة انتقال سياسي ودستوري- يجب أن يكون الملك حاضرًا في افتتاح المسلسل الذي يفضي إلى اعتمادها، ولا يجب أن يستقل البرلمان بدراسة مقترح قانون تنظيمي لم يطلع عليه الملك مسبقًا ولم يبد إشارة تفيد الإذن بالشروع في دراسته على مستوى السلطة التشريعية. هذا، ربما، يُقَدَّمُ كمقتضى من مقتضيات السياسة في المغرب، وكقاعدة تجب مراعاتها بقطع النظر عما هو وارد في الدستور. ومع ذلك، فإن البعض اعتبر أن الدستور، نفسه، يكرس الموقف القاضي باحتكار الحكومة حـق إعداد القوانين التنظيمية، مـن خلال الفصل 86 الذي ينص على ما يلي : "تُعرض مشاريع القوانين التنظيمية المنصوص عليها في هذا الدستور وجوبا قصد المصادقة عليها من قبل البرلمان، في أجل لا يتعدى مدة الولاية التشريعية الأولى التي تلي صدور الأمر بتنفيذ هذا الدستور". وبالتالي، تَمَّ الخلوص إلى حرمان البرلمانيين من حق تقديم اقتراحات قوانين تنظيمية خلال الولاية التشريعية الحالية، على الأقل، مادام الفصل 86 أشار إلى مشاريع القوانين التنظيمية وتعمَّد إغفال الإشارة إلى مقترحات القوانين التنظيمية. لكن، لو كان الدستور يقصد منع البرلمانيين من حق التقدم باقتراحات القوانين التنظيمية خلال الولاية التشريعية الحالية لأشار إلى هذا المنع صراحة، إذ لا يمكن إهدار حق أساسي من حقوق ممثلي الأمة بهذه الطريقة الملتبسة ! فالفصل 86 كان يريد التنبيه إلى أن الأجل الزمني للتقدم، أمام البرلمان، بالنصوص التي ستُعتمد، لاحقاً، كقوانين تنظيمية، ينتهي بانتهاء الولاية التشريعية التي تعقب مباشرة صدور الأمر بتنفيذ الدستور، سواء كانت هذه النصوص مقترحات أو مشاريع قوانين تنظيمية، فضلاً عن كون الدستور لا يمكنه أن يتوقع مسبقاً حتمية تقديم مقترحات قوانين تنظيمية في أجل محدد، ولكن يمكنه أن يفرض تقديم مشاريع قوانين تنظيمية، دون أن يعني هذا الفرض الحكم الأتوماتيكي بحظر أي مقترح قانون تنظيمي، فمتى وُجدَ هذا المقترح فإن الحكومة يمكن أن تتعامل معه إيجابياً، وتشارك في مناقشته بإبداء الملاحظات والاقتراحات، وتساهم في ضبط صيغته النهائية. وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة لم تثر قط، قبل الشروع في دراسة مقترح القانون التنظيمي المتعلق بلجان تقصي الحقائق،الدفع بوجود منع مفترض لمقترحات القوانين التنظيمية في الدستور الحالي.
الموقف المتخذ من طرف الحكومة، بصورة متأخرة، لا يستند إلى مقتضيات الدستور، بل يستند إلى مقتضيات السياسة، وهو ما عبر عنه الأستاذ إدريس الضحاك ب"الأخلاق السياسية". لقد سبق للأستاذ عبد الإله بنكيران أن ربط تنزيل الدستور بالتوافق مع الملكية، فالرجل ينطلق من وجود عقد ضمني بينه وبين الملك يفرض ألا يُسمح بالتقرير في شأن من الشؤون الهامة والحيوية للدولة بدون موافقة ومباركة ومواكبة الملكية وألا يُفرض عليها أي أمر واقع حتى ولو حصل ذلك تطبيقاً لبند من بنود الدستور. ويظهر، اليوم، أن قضية القوانين التنظيمية هي من القضايا التي لا تنوي رئاسة الحكومة معالجتها إلا في إطار مساطر التفاهم المسبق مع الملكية، بل، بتعبير أدق، لا تنوي معالجتها إلا في إطار الإشراف المباشر والعملي والتوجيه الأسمى للملك، وهو ما يُستفاد من إلحاح الخطاب البنكيراني على أن "تنزيل الدستور" هو، أولاً وقبل كل شيء، مهمة أصلية للملك، وكل ما يمكن أن يباشره رئيس الحكومة لا يجب أن يتجاوز نطاق المهمة الفرعية. وربما يخشى بنكيران، إذا ما زكى سابقة قيام فريقه النيابي بتقديم مقترح قانون تنظيمي، أن يُتهمَ ب"تهريب" القوانين التنظيمية ونقل مهمة إعدادها من مكانها الطبيعي (مجلس الحكومة- المجلس الوزاري) إلى فريق حزبه. وعندما يتحدث الضحاك عن الأخلاق السياسية فهو يريد، ربما، أن يلمح إلى أن صلاحيات المجلس الوزاري قد تقلصت بعض الشيء، في ظل الدستور الحالي، ويخشى أن يؤدي تنشيط البرلمانيين لدورهم في إنتاج مقترحات القوانين التنظيمية إلى "المزيد" من تقليص دور المجلس وإضعافه، وهو مجلس يتعين، في نظر الأمين العام، ربما، أن يحتفظ بهيبته ومكانته، وأن نتدارك، في الواقع، بعضاً مما قد يكون تعرض له، في النص، من "إضعاف". "الأخلاق السياسية"، كما مورست في الماضي، اقتضت، دائماً، في المغرب، أن لا يفرض أحد على الملكية، بصدد نصوص من قبيل القوانين التنظيمية، توقيت الإعداد ووضع الترتيب حسب الأسبقية ومضامين النصوص ومساطر الإعداد، بالرغم من أدوات التدخل اللاحق المُتاحة، دستوريًا، للملكية. واليوم، هناك دعوة إلى استمرار ذلك الماضي.
إننا نعتبر أن مسطرة التوافق، على العموم، مطلوبة في تحضير القوانين التنظيمية "الاستراتيجية" التي لها علاقة بقواعد اللعب الكبرى وترسيم حدود العلاقات بين المؤسسات وتنظيم الحقوق الدستورية الأساسية، وخاصة في السياق الانتقالي. ونعتبر، كذلك، أن الضرورة السياسية تتطلب السعي لكي يشمل التوافق، أيضاً، القوى السياسية الحية الموجودة خارج البرلمان. ولكن التوافق لا يمكن أن يكون على حساب النص الدستوري أو أن يتم بالمخالفة لهذا النص، بل يتعين البحث، دائما، عن صيغة تحترم النص وتحافظ له على قوة النفاذ.
ولذلك، فإن الخطاب الحكومي، الذي تُشْتَمُّ منه رائحة منع البرلمانيين من حق تقديم مقترحات القوانين التنظيمية، يحمل في طياته بذور استسهال خرق الدستور ونفي الطابع الملزم للقاعدة الدستورية ؛ فمهما كانت قوة "الإكراهات السياسية"، لا يحق أن تدفعنا إلى تجاهل "الإكراه الدستوري". الحق في تقديم مقترحات القوانين التنظيمية ثابت في الدستور، ولا أدل على ذلك من كون الفصل 85 ينص على أنه "لا يتم التداول في مشاريع ومقترحات القوانين التنظيمية من قبل مجلس النواب، إلا بعد مضي عشرة أيام على وضعها لدى مكتبه، ووفق المسطرة المشار إليها في الفصل 84؛ وتتم المصادقة عليها نهائيًا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين من المجلس المذكور؛ غير أنه إذا تعلق الأمر بمشروع أو بمقترح قانون تنظيمي يخص مجلس المستشارين أو الجماعات الترابية، فإن التصويت يتم بأغلبية أعضاء مجلس النواب". النص الدستوري واضح إذن، وإذا ما تَمَّ التقدم بمقترح قانون تنظيمي فيمكن للحكومة، دائمًا، أن تستعمل السلطة المنصوص عليها في الفصل 82 من الدستور وتحدد الترتيب الذي يلائمها لتحضير شروط تتبع المناقشة الخاصة بالمقترح، ورعاية نقاش وطني حوله، والتداول بشأنه في مجلس الحكومة، وإطلاع الملك على خلاصات مداولات مجلس الحكومة طبقًا للفصل 92 من الدستور..إلخ.
ولكن ليس من حق الحكومة أن تأتي ضغطًا أو صنيعًا أو قولاً تحاول أن تفرض به، باسم "الأخلاق" و"السياسة"، إهدار حق البرلمانيين، الثابت دستوريًا، في تقديم مقترحات قوانين تنظيمية. ولا يجب أن يُفتح الباب أمام نموذج لإدارة شؤون الدولة يستند إلى السياسة فقط ولا يرى في الدستور أكثر من كونه متمنيات يصعب بلوغها.
مقال في الصميم ... فأول من يجب أن يعطي المثال و النموذج في احترام الدستور هي الحكومة، لكن واقع حالنا يخالف هذا الأمر. و أزعم أنّ طريقة إعداد دستور 29 يوليو 2011، التي تميزت بالسرعة، في ظلّ غليان الشارع بقيادة حركة 20 فبراير، هو الذي جعل الدستور الحالي يخرج إلى الوجود بعيوب كثيرة و "تنازلات" لم يحسب لها البعض حسابا ... فكان الحلّ في نظرهم، من أجل استعادة ما تنازلوا عنه، هو مخالفة هذا الدستور و منع البرلمانيين من ممارسة حقّ أصيل لهم ./.
مقال في الصميم ... فأول من يجب أن يعطي المثال و النموذج في احترام الدستور هي الحكومة، لكن واقع حالنا يخالف هذا الأمر. و أزعم أنّ طريقة إعداد دستور 29 يوليو 2011، التي تميزت بالسرعة، في ظلّ غليان الشارع بقيادة حركة 20 فبراير، هو الذي جعل الدستور الحالي يخرج إلى الوجود بعيوب كثيرة و "تنازلات" لم يحسب لها البعض حسابا ... فكان الحلّ في نظرهم، من أجل استعادة ما تنازلوا عنه، هو مخالفة هذا الدستور و منع البرلمانيين من ممارسة حقّ أصيل لهم./.